الجسد هو الجينولوجيا الوحيدة التي يمكن أن تتسلل إلى كل الفراغات، إذ هو الرمز والاستعارة العالية، هو الفعل الذي يرهب ويحلّ، ينثر غباره / غوايته، ويترك شفراته في التحقق والزوال، يمكنه أن يصير انتماء، مالكاً أو مملوكاً، لباساً، قدراً، خطيئة، عقاباً، يمكنه أن يحوز جوهر الكينونة، ويغدو جوهر الوجود أو جوهر اللعب في الآن معاً، هذا اللعب القصدي الذي ينتهك ويصنع اللذة والاتصال والتنافذ مع الزمن واللغة، هو ميتافيزيقيا المحايثة كما يسميه "مطاع صفدي"!! هو الصناعة الشِّعرية التي تتمرآى وتسيل وتضج بسحرية الكائن مثلما هو الأكثر ادهاشاً والأكثر توغلاً، عبره تتكشف الروح وينضو الجسد عن سراره، وأسحاره وطفولته التي ترصّع اللغة بلثغات الأسئلة..
عند توهجات ما يصنعه الجسدي، هذا الجسدي / الشعري /المرأوي الذي يريد ويرغب ويكشف، لا يملك الشاعر "عماد فؤاد" إلاّ أن يكون شاعراً يكتب شفرته من لحظة التوغل فيه، ينصت إلى أصواته الخبيئة، يعيد تصويرها نصوصاً أو لقطات باعثة على المزيد من التورط في هذه اللعبة بامتياز، فهو يمارس لعبة الغواية والمراودة والانتهاك، يترك اللغة ترسم المتجسد، وتصنع المسافة، وتؤجج الرنين، حتى تبدو القصائد وكأنّها في غمار لعبة تعرية رمزية، تنزع عنها ما يحجب الحضور، لتصير فضاء من المرايا الذي تسيل منه تفاصيل الجسد مرموزة بإحالات صورية مكثفة، هي ذاتها فكرة الجسد الذي يبدو، والذي يكون، والذي يجعل من شفرة الحرير/ الغلالة إيحاء بما تحتها من تفاصيل غامضة ومحرضة على التماهي والاسبتدال والوصل.
( حين دخلت
وأنا منشغل بالكتابة
كاد سريرنا أن يصرخ بي
انظر،، انظر!!
لكنه كالعادة
طمع في طلتّك
كاملة!)
"عماد فؤاد" المسكون بالغواية، غواية الخارج / الجسد / شفرات الأنوثة / اللغة، يندفع عبر كثافة قصيدته وتوهجها إلى استكناه الرؤيا تلك التي تجذبه إلى التأمل العميق، تأمل الجسد وهو في نوباته الشعرية!! جسد معروض، أو جسد يسكنه النداء، جسد مفرط في أنوثاته، وهو الذي يجعله أيضاً في نوبة عاتية من القلق، القلق الوجودي والقلق الشعري، ليقينه أن النوبة الشعرية تضمر ما سواها دائما!! وأن حدوس الشاعر تحتاج إلى هوس هذه الرؤيا الموغلة الكاشفة الباعثة على (استكشاف ابتهالي للعالم وللجسد بواسطة الكلمات والأصوات).
ولا شك أن هذه الرؤيا تدفعه أيضاً للذهاب بعيداً نحو ما يضمره الجسد من إيحاءات وعلامات، لا يمكن حلّها إلاّ بالانفصال عنه، وإعادة تأمله وتلمسه (كتابة أسراره وأسحاره ونداءاته) وربما السعي إلى إنتاج علائق جديدة أكثر توهجاً تبدو وكأنها تلامس خفة الجسد في عريه، وأعترافه وربما في لعبة انزياحه التي أشبه ما تكون بحفلة "ستربتيز" يتكشف الجسد / اللغة فيها عن وصلاته ولحظاته وتوهجاته بالتتابع، وأعتقد ان شفرة الحرير/ العنوان / العتبة هنا هي إيحاء بفكرة الفصل الموهوم ما بين الجسد / كنوزه وما بين كينونته اللغوية...
(من قال إن الحرير يحتاج إلى دانتيللا مخرمة ليغوينا النظر؟!)
في قصائد الـ (حرير) / المجموعة الأخيرة للشاعر "عماد فؤاد" تبدو الكتابة الشعرية بسرديتها المكثفة لكن الفاضحة والأكثر تعبيراً وتوهجاً في نسج بنية الجملة الشعرية، التي تتشكل وفق شرط لحظة الكتابة التي تلتقط وتجس وتبث، مثلما هي الأكثر تعبيراً في البحث عن لعبة الكشف والحضور، إذ تجعل من بنيتها الصورية المدمجة ولقطاتها السريعة الموحية محاولة في الإفصاح عن نموذج إيهامي للجسد، هذا الجسد نتأمله، والذي يعيدنا إلى بهجة الوصل وإلى خاصة ما يفيض به ويخلص إليه أو يطير سائحاً فوق كتلته كما يقول المتصوفة...... وهذا لا يعني وسم القصائد بتجريد التأمل (تأمل الجسد) وقماشته اللغوية المحدودة كما كنا نقرأه في قصائد سعيد عقل، أو الاستغراق في كتابة الإيروس الجسدي عبر استحضار علامات فيتشية!! (الساتان، الكتان، كريمات البشرة، الحرير)، بقدر ما هي محاولة في تكرار تأمل هذه القصائد عبر ما تجترحته من صياغة شعرية مفتوحة وباعثة على غواية (ما يسويه الجسد عبر لعبة الجسد) إذ تفترض الجسد موحياً / صوّاتاً / عبر لغة الملامح في الوجه والخطوط في اليدين والحركات في الرأس واليدين والقدمين:
(ترفعين يدك في ارتباكنا
وتمسدين ظهر عنقك الساخن
أنظر في يدي
فأجد حبات العرق الصغيرة كلها
فوق أصابعي)..
"عماد فؤاد" لا يكتب بلغة معقدة، ولا يسعى إلى بلاغة الجملة بعيداً عن اشتباكها مع ما يقابلها من فضاءات صورية، أكثر ما أجده ينحاز إلى لعبة صناعة الصورة، وكأن هذه الصورة هي المقابل السحري الذي يصطنع إيهامية الفكرة / المعنى، حيث تبدو هذه العلاقة أكثر تمثلاً لجوهر الشعرية الذي لا أجده واضحاً في افتراض (شعرنة السرد) الذي يفترض هو الآخر إيقاعا خارج شرطه الوصفي والبنائي كما قد يوحي للبعض، وإنما أجده في القدرة الميزة التي يملكها الشاعر في احتياله على الشرط الخارجي الفيزيقي المباح!! باتجاه صناعة أكثر سحرية وإثارة للجملة والصورة التي تتكشف عن توهج تعبيري له قابلية التسلل مثل غواية الجسد / الشفرة، ولعل هذا ما تجسد أكثر في مجموعته الأخيرة (حرير) والتي بدت أقل ميلاً إلى التوافر على استخدام البنية السردية المفتوحة، والإنزياح إلى البنية الشعرية المكثفة بموحياتها الدالة عبر ثريات العنونة المحدودة وغير المعرفة!! (حرير، إغواء، طواف، طمع، سر، إنصات، أنوثة، أوبة، خيبة، غفوة، لدغة..)
ولا شك أن مقاربة هذا التجريد في العنونة يقاطعه التجسيد الصوري في المتن الشعري الذي يجسّ الجسد في لعبة كشفه، عريه، استعراضه، ويجسّ اللغة وهي تتراكب ووتكثف وتوحي عبر امتلائها وفراغها الذي يمثل أيضاً صياغة نفسية وتعبيرية تجد في البناء المقطعي المحدود للجملة / الصورة نوعاً من الإيحاء على تعبير تستحضره القراءة الفاعلة، إذ لا يمكن أن تستوي الشعرية الفاعلة المغايرة دون قراءة فاعلة، ليس على طريقة "رفاتير" المنهجية التي افترضت القارىء العمدة! وإنما تصيّرها باتجاه أن تكون الشعرية هي المزيد من الحميمية والتدفق والتوهج الذي يزعزع الداخل اللغوي، ويسكنه المزيد من الاندفاعات ويحرضه أيضاً على المزيد من الغوايات...
في قصيدة "يدها التي في مكمن ضعف" يستدرجنا الشاعر إلى غواية التفاصيل وهي تمارس سيولتها واستعراضها بنوع من التوالي الذي يشبه وصلة ستربتيز!! أو ربما هو سيناريو استمنائي يكشف من خلاله الشاعر عن شراهة الجسد حين يكون أمام وهم الزمن ووهم مرآته، يشاطره الانتهاك والتوغل، والتمرأي بتوهج العري الذي يجعل من الاستعارة اللغوية الشاملة مقاربة في تجاوز الترميز الإيروسي إلى إفصاح ما يصنعه الجسد بالجسد عبر سيولة تفاصيله واشتباكها العصي، وخروجها من لحظة المراقبة إلى لحظة الافتراس!! وهذا يؤكد ما افترضته في شعرية "عماد فؤاد" في إنها تملك الكثير من الحميمية والتدفق...
( سبعة وعشرون
لكنّها شبقة بما يكفي
لتخيّل طعمه في فمها
هي التي
سرقته نتفاً في زحام المواصلات
تلصصت كممسوسة
على شبابيك جيرانها المتزوجين حديثاً
أرهفت سمعها بحرص
لطقطقة عظام زوجات أشقائها في الغرف المجاورة
وتركت نفسها هامدة كجثة
تحت يد جارها الذي هرس لحمها على بسطة السلم
حين انطفأ النور...)
إن نصوص الشاعر "عماد فؤاد" في مدونة الحرير تستند إلى رمزية الجسد كونه المبشر الكبير لفنطازيا الجنس والموت واللذة والتصوف، وكونه الباعث على الدخول إلى التجاذب الفاضح للغة، وكونه المقابل التعويضي لسديم الذاكرة، إذ يرسم هذا الجسد نصاً مفرغاً من قيد البلاغة، متشظ عند هزات الغواية، دينامي رغم كثافته، له سحر التعدد والتوحد، وكأنه يكتب تحت نوبة ما يحرضّه الحرير / الغلالة، والحرير المشوب بشهوة التلمس، والحرير / التخيّل الذي يهدد الكتابة وسيولتها...
لقد تجاوز "عماد فؤاد" في شعريته ما أنجزه في مجموعتيه الأوليتين "أشباح جرحتها الإضاءة" و"تقاعد زير نساء عجوز" الأكثر تمثلاً للسردانية الشعرية ومغامرة الجملة المفتوحة على التنافذ مع ما يمنحه السرد من سيولة في الرؤيا وتجاذب في تيه الكتابة، وأظن أن مجموعته الثالثة "بكدمة زرقاء من عضة الندم" هي المؤشر على التطور الواضح في كتابته الشعرية ذات السياق الحر الذي تتراكب فيه إيقاعات الجسد ورمزيته القوية مع إيقاعات اللغة بكل شطحاتها وانزياحاتها، والتي تجوهرت أكثر وضوحاً في مجموعته الأخيرة "حرير" بكل ما تمثله من تأثير لها شرط التداعي الحر بعيداً عن افتراض ما قد يتركه الأثر من خطوط قابلة للمحو.
"عماد فؤاد" يغرد خارج سرب الشعر المصري التقليدي وحتى الحداثوي!! إذ تبدو قصيدته نافرة متمردة، تنهل من متون لغوية وتصويرية غاية في الخصوصية، لا شأن لها بميراث القصيدة الواقعية والقصيدة الجديدة، وشأن له بالنبرة الطاردة التي اعتادت وضع سياقات ضاغطة في التعاطي مع (ظاهرة) القصيدة الجديدة ومنها قصيدة النثر الأثيرة عند "عماد فؤاد"..
ولا شك أن كتابة القصيدة الإيغالية في متون الجسد، هو شكل من أشكال التمرد على قصيدة الخارج الموضوعي! العقلاني المتراكم باتجاه تخليق نوع من الكتابة السرية، الكتابة المحايثة التي تلامس جوهر الأشياء وروحها الحية لكي تبدو اللغة في نسقها جسداً قابلاً للحياة والوجود والتمرد والعري والبوح دونما افتراض لسطوة ما تركته أنساق الكتابة عبر تاريخها المباح للتراكم..