للوهلة الأولى يترك الجنس آثاراً شاسعة الاختلاف في ذهن كل قارئ، متعلقة بعوامل كثيرة، تصنع في النهاية صورة – على اختلافها - تصطدم بالأذهان عندما تتوقف الأعين عند سطوته.
الجنس كتجسيد مادي لكل ما في الحياة، على اختلاف أشكاله وما يقبع خلفه وأمامه، ينبض بقوة في شعر "عماد فؤاد". الجنس كتابو، كعلاقة عابرة، كشيء ثمين، ككتاب مفتوح، وكصورة تجمع كل هذا وأكثر، الجنس كعلاقات تراءت لنا، أو اختفت عنا، فضحتنا، أو اختبأت بداخلنا، أسعدتنا أو أبكتنا، كمبهم لم نعرفه بعد، يذهلنا دوماً على اختلاف معانيه في شعر "عماد فؤاد"، يصيبنا بالدهشة، نتوقف عنده، دوماً في ذهول.
لست ناقدة ولست أطمح إلى قراءة تفكيكية من أي نوع، لأن هذا بنظري يقتل الكتابة، ويختزلها بقصد أو بدونه في رؤية واحدة، بغض النظر عن أهميتها، فهي في النهاية تتعارض – بنظري - مع أهم سمات الكتابة الإبداعية: الإبداع! ليس ذلك الإبداع الذي يخطه الكاتب مرة وينتهي أمره بمجرد كتابته، بل الذي يصنعه كل قارىء في كل مرة يحمل الكتاب بين يديه، ليبدع الكاتب داخله من جديد، وبصورة مختلفة. لهذا لن أضع شروطاً وخطوطاً أتبعها، بل سأتبع حدسي وقلبي، ودهشتي! فالعمل الذي يستطيع أن يصيبنا بالدهشة كل مرة هو العمل الإبداعي، وشعر "عماد فؤاد"، إذ يتناول مسائل حياتية بسيطة للغاية، بل وصغيرة حد المجهرية، ليس لها علاقة بالغرابة أو التفلسف، هو بالقطع يصيبنا بالدهشة كل مرة، وبالقطع يبدع من خلاله بين يدي كل قارىء.
الجنس، من أهم هذه المسائل، أراه تبلوراً وتجسيداً لكل شيء بشكل عام، وإذ تقوده الرغبة في "حرير" لاكتشاف المزيد عنه، يمسك الشاعر طرف الخيط، بكامل نعومته وقسوته ووضوحه وغموضه، ويسحبنا خلفه في "حرير".. منذ "أوَّل الخيط" الذي يربط دودة القز في قلب الرجل، بـ"حرير" المرأة الذي حين تهمُّ بمسِّه، تئن "دودة القزِّ" بقلبه، ويسأل نفسه ماذا يريد؟!. عن هذه الرغبة تحديداً، عن هذه الإرادة، يسحبنا الشاعر خلف خيطه في محاولات مستمرة للإجابة، وفي محاولات مستمرة لتعريف الجنس، الذي لا يكف عن الدوران بين الخيوط، تارة بشكل جارح، وتارة بشكل محرَّم، وأخرى حرير ملوَّن، حرير خام، وحرير صاف، ولا تكف دودة القز عن الأنين في قلب الشاعر مع كل حرف، بين الخيوط، ولا تهدأ، ولا تستقر، بل في آخر الخيط يعدو أنينها واحدة من رغبات المرأة التي تمس حريرها، وينتهي بها الأمر إلى أن تسأل نفسها، وماذا أيضاً تريد؟!.
بين خيوط خفيفة كضحكات الأطفال، وأخرى ثقيلة كطريق الكفيف، نسير مسحوبين بخيط الحرير. يتراءى لنا الجنس كعلاقة تربط الدودة بالخيط، الرغبة بالامتناع، المتعة بالوجع، السؤال بالتلهف على الإجابة، أنين الدودة في قلب الرجل، بأنين المرأة التي تمس حريرها. يتراءى لنا الجنس بصورة جديدة وأكثر إدهاشاً في كل سطر، بصورة تحمل فأساً لا يرحم، وتسقط بالتدريج كل الجدران والتابوهات، تتجاهل كل المعايير والحدود، وتتركنا بقسوة رائعة أمام مشاعرنا المبعثرة، وخبايانا المفضوحة، لنصطدم بسطر جديد، واكتشاف جديد، ودهشة جديدة، وحين نصل لآخر الخيط، ويسقط آخر جدار، نتنهد بحرقة ومتعة، بمنتهى الدهشة والألم، ولا نجد أمامنا سوى أن ننحني احتراماً لكل هذا الإبداع، ونجد كل الكلمات أضيق بكثير من أن تفه حقه!
ويكفي إذاً أن نفتح الكتاب مرة جديدة، ونمسك أول الخيط مرة أخرى، الذي لا يمنحنا نفس الملمس، ولا نفس اللون، ولا نفس الرائحة مرتين!
شكراً لهذا الـ"حرير" الذي يلفنا بالحياة.. والإبداع.